أحمد بن محمد ابن عربشاه
297
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وإينال الحلبي بالشام وكاتبه الطغام والعظام ، وهرب بالقاهرة العزيز وأزت الشيطاطين فاشتد الأزيز ، وتخبط بالصعيد العريان ، وفشا في عساكر الإسلام ، الطريان « 1 » . فسفه الحليم ، وحار الحكيم ، وضل كل ذي رأى قويم ، فثبت الملك الظاهر وتعرف إلى الله تعالى فأزال استيحاشه ، وأصفى سرائره ، ولم تزل سيرته ظاهرة فكان الله عونه وناصره ، فأطفأ بأدنى لطفه شواظ تلك النائرة . وقد بسط ذلك في سيرته الظاهرة فتبدل الجحيم بالنعيم ، ورفع الله تعالى عن الإسلام والمسلمين العذاب الأليم ؛ كل ذلك بثبات القدم وعلو الهمم ، ولم تحصل هذه الفعلة الذكية الرائحة ، إلا بالطوية الطيبة والنية الصالحة . وأما التحفظ فمن مواد شرور ملتبس بها الجمهور ؛ منها الحقد والملال والكذب في المقال والحسد والاحتيال . فإن الحقود وقود ، والحسود لا يسود ، والكذوب يذوب ، والملول لا يطول ، والمحتال مغتال ، وباقي النصائح الذكية الروائح تأتيك بالسعد فيما بعد . وأنا الآن أقدم للبيان وأذكر الأهم وما فائدته أعم ، قبل الشروع أمام المقصود ، وهو تأكيد مواثيق العهود ، فإنه إذا حفتك الجنود ، وأحاط بك أرباب الرايات والبنود ، وأنت جالس على السرير وفي خدمتك المأمور والأمير والكبير والصغير ؛ يعسر علىّ استيفاء الخطاب ، واستيعاب الجواب ، ولا يليق بعظمتك ومقام حرمتك إطالة الكلام ولو اقتضاه المقام ؛ خصوصا بحضور الخاص والعام ولو كان المتكلم أعز الخدام وأقرب الإلزام « 2 » ، فلا أقدر أن أتجرأ عليك وأنهى جميع ما أريده إليك ؛ لأن قصد الخادم إقامة حرمة مخدومه ، والمبالغة في حفظ ناموسه وتعظيمه ، وكثرة الكلام تمنعه عن هذا القصد وتدفعه ، وأما في هذا الوقت فإن كثير كلامي لا يورث شيئا من المقت فلا حرج على كلامي كيفما خرج .
--> ( 1 ) الاضطراب . ( 2 ) أقرب الأقرباء .